بناء الملكة الفقهية

الصور الداخلية

إن الدراسة الفقهية اليوم تتسم بالتقرير المدرسي التقليدي من خلال دراسة الكتب المذهبية المعتمدة، التي أحالت الفقه إلى مجموعة من الفروع والأقوال المكررة والمتداولة في نطاق الفتيا والتدريس، ويغيب عنها الدرس الذي يعتني بالتدريب الفقهي في أثناء عملية التأهيل الفقهية، والذي يتدرب فيه المتفقه على مجموعة من المهارات الفقهية لتبني له عددا من الملكات العلمية، فالفقيه في بداياته يتطلب في إعداد شخصيته وتكوينها جملة من المهارات التي تساعده على تحقيق رسالته بالشكل المطلوب في هذا الزمن، والتي تنقله من الفقه الوراثي إلى الفقه الذاتي؛ فإنه على الرغم من أهمية الفقه الموروث وضرورته في التأسيس؛ إلا أنه ليس هو وحده الذي ينهض بالأمة خاصة إذا كان فقها تقليديا يؤخذ من غير نظر ولا تمحيص ولا تفكير، وإنما يتلقنه الطالب عن شيخه ثم لا يتجاوز تكراره وترداده مع اختلاف الظروف والأحوال، وكم رأينا من علماء يجيدون الشرح النظري لقواعد فقهية، مثل: المشقة تجلب التيسير وسد الذرائع، ولكنهم أخفقوا كثيراً في التطبيق العملي لها على الوقائع الحياتية، لذلك إنما الذي ينهض بالأمة ويقوم بها في وجه التحديات المعاصرة هو الفقه الذاتي النابع من ذات الفقيه، الذي يفهم قواعد الإسلام، ويضبط أصوله، ويدرك مقاصده، ويبرز محاسنه، وينزل أحكامه من الوحي الرباني على الواقع الإنساني تنزيلا صحيحا سليما، وأبرز الأمور المهمة الموصلة إلى بناء عقلية فقهية هي بناء المهارات العقلية التي تبني الملكة الفقهية، ويعتبر التفقه في أصله عملية فكرية؛ لأنه راجع في أصل معناه إلى الفهم، فهو نوع من ممارسة التفهيم في نصوص الشرعية، وعملية التفكير هذه لا تقوم من خلال التلقين المجرد للفروع الفقهية، وإنما من خلال توجيه الدرس الفقهي إلى برامج علمية متخصصة في تطوير عقلية المتفقه الجديد، وتمرينها حتى تكتسب القدرة العالية على معالجة المسائل وإدراكها، ومن أهم الأمور ربط المقدمات بالنتائج ومعرفة النظر الكلي لمعنى الأقوال الفقهية ومآخذها، وبالتالي يفهم المتفقه منشأ الأقوال، وليس فقط القول لأن هذا النمط ينظر إلى مجموع الأقوال، وبالتالي يعرف إلى أين تسير...! يقول ابن تيمية رحمه الله:- وأما العقوبات والأحكام فمذهب أهل المدينة أرجح من مذهب أهل الكوفة. فهذه نظرة كلية خرجت بعد معرفة منشأ الأقوال، وكيف قام رأي الفقهاء في المدينة وأيضاً الكوفة، ولذلك إذا حصل تغير في قول داخل أي مذهب ممكن معرفة منشأ هذا القول وتتبعه تاريخياً بعد معرفة جذر هذا القول. وكم رأينا في التأريخ الفقهي من عالم يقول عن مسألة ما: ولا أعلم مخالفاً فيأتي بعده بعض العلماء وينقل الإجماع في هذه المسألة مع أن العالم نقل قصارى علمه فقط ولم ينقل الإجماع، ويأتي علماء بعده في قرون متأخرة ليقولوا لنا نقل الإجماع العالم الفلاني، بينما لا يوجد أي كلام دقيق في هذه المسألة سوى عدم معرفة الخلاف، ولا شك أن بين الإجماع وبين عدم معرفة الخلاف فرقا كبيرا، وهي مسائل مهمة في تراثنا تحتاج منا دوما إلى القراءة المتفحصة ومعرفة التطور التاريخي للأقوال والنسق العام لها، وتأصيل التطبيقات الفقهية وتنسيقها وفق الكليات الشرعية، وتظهر الملكة جلياً لمن يتمكن من إرجاع فروع الشريعة إلى كلياتها العامة، تحت نسق مهم ألا وهو: (اطراد التشريع الإسلامي)، وهذا ما يجعل الفقيه يقوى على إرجاع الفروع بعضها إلى بعض، وإظهارها على وجه متماسك مطرد. والمتأمل في واقع التعلم الفقهي اليوم يجد أن الغالب عليه تقرير آحاد المسائل الفقهية بعيدا عن الاهتمام بربط هذه المسائل بمثيلاتها وما يعضدها من كليات الشريعة وأصولها الكبرى. يقول ابن رشد - رحمه الله - منبها إلى هذا المعنى: رأينا أن نذكر في هذا الكتاب كتاب الصرف سبع مسائل مشهورة تجري مجرى الأصول لما يطرأ على المجتهد من مسائل هذا الباب، فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد فبهذه الصناعة رتبة الاجتهاد... وبهذه الرتبة يسمى فقيها لا بحفظ مسائل الفقه؛ لو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان، كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر. وبسبب فقد هذه الملكة أصبح من غير المستغرب أن يقرر بعض الفقهاء مسألة في باب على وجه، ثم يقرر في نظيرها تقريرا مخالفا لها في باب آخر، وكلاهما يرجعان إلى تأصيل واحد. يقول ابن تيمية عن حال بعض متبعي الأثر ممن قلت معرفته بطريقة التعامل مع القياس الصحيح: وتجد المستن الذي يشاركه في القياس قد يقول ذلك القياس في مواضع، مع استشعاره التناقض تارة، وبدون استشعاره تارة؛ وهو الأغلب. إن بناء العقلية الفقهية يتطلب تجديدا في الوسائل بما يتناغم مع متطلبات العصر، بحيث يستطيع الفقيه الحكم على الأشياء وفق توازنات المصالح والمفاسد بحيث لا يسد ذرائع مباحة، ويقع في محاذر محرمة غالباً أو يجوز مسائل ويحرم الوسائل التي توصل لهذه المسائل بحيث يظهر الفقه في تناقضات هي بعيدة عن روح التشريع. إن العقلية الفقهية لا تبنى بمعزل عن المجتمع والبرامج العقلية والتوازنات النفسية بل كلها تمثل خليط القواعد التي تساهم في بناء كيان عريض يستطيع أن يفهم منشأ الأقوال وكيفية استدلالاتها وكيف يطبق ما يتناغم معها وما يختلف معها وهل محل القول مناسب ..؟ وهل القول مطرد أم قول عارض ..؟ إلى غير ذلك من الأمور التي تطرأ على الأقوال الفقهية وتغير في مساراتها التاريخية بطريقة لا يفهم غالب المتأخرين أسبابها وكيف حصل التغيير ولماذا..؟ مثل تغير حد شارب الخمر، وهل فيه حد، ومثل إلغاء سهم المؤلفة قلوبهم، ومثل إيقاع الطلاق الثلاث دفعة واحدة، ومثل بعض المسائل في فقه الأقليات التي تحتاج إلى نظر شمولي وربط الجزئيات بالكليات.